المارد والغبي كان في إحدى الجُزر المثمِرة، المليئة بالخيرات، يعيش مارِدٌ من الجنِّ المؤمن، يسمَّى "عبدالرحمن"، وتعيش معه زوجٌ وفيَّة، تعينه على طاعة الله، وكان يُشاركهما في هذه الجزيرة رجلٌ مشاكس، لا يتَّقي الله، يسمَّى "مخالفًا العلماوي"، وله أيضًا زوج على شاكلته، تعينه على كل سوء! وكان "عبدالرحمن" لا يتمثَّل بهيئة المارد، بل كان في هيئة بشريَّة هو وزوجه؛ حتَّى لا يخيف منه جاره وشريكَ وطنه؛ "مخالِفًا العلماوي". كان "عبدالرحمن" رجلاً زاهدًا عابدًا، طيِّب القلب، نقِيَّ الطوية، لا يحمل في نفسه ضغينةً ولا حقدًا لأحد، وله كوخ صغير يعبد الله فيه، ويُقيم فيه شعائر الإسلام مع زوجه الطيِّبة المتحجبة المحتشمة، وكان إذا حان وقت الصَّلاة، قام فأذَّن خارج الكوخ بصوتٍ يُسمِع به "مخالفًا"؛ لعلَّه يستجيب لنداء الحقِّ، ويأتي ليصلي معه، أو على الأقل ليُعْلِمه بأن وقت الصلاة قد حان، وفي يومٍ من الأيام جاءه "مخالفٌ" باديًا على وجهه الاستياء والضيق. "مخالف": أنت يا هذا، أفي كلِّ يوم سوف تزعجنا بصوتك هذا؛ أذان في الصبح، وأذان في العصر، وأذان في الليل، وفي كل وقت؟! لقد ضِقْتُ ذرعًا بهذا الصوت. "عبدالرحمن": ولكن يا أخي، أنا أؤذِّن للصلاة، والمفترض أن تأتي لتصلِّي معي ما دمتَ تسمع الأذان. "مخالف": وما شأنك أنت أصلي أو لا أصلي؟ هذه حرِّية شخصية، فمن حقِّي الإنساني أن أفعل ما أريد؛ فأنا حُر. "عبدالرحمن": يا أخي أنا لا أجبرك على شيء، ولكننا في مركب واحد، ويجمعنا وطَنٌ واحد، ومن حقِّك عليَّ أن أنصحك. "مخالف": لا شأن لك بي، فقط لا تُسْمعني هذا الصوت، وأذِّن داخل كوخك. مرَّت أيام و"عبدالرحمن" ينقسم يومُه بين العبادة والعمل، وإذا به يومًا وهو يقرأ القرآن داخلَ كوخه، يسمع صوتًا مرتفعًا يكاد يصمُّ الآذان، فخرج ليستطلع ذلك الصوت، فإذا بجاره "مخالف" يُدير المِذْياع على محطَّة من محطات الأغاني، ويتراقص عليها، فاقترب منه "عبدالرحمن" والضِّيق يبدو عليه، لكنه كظم غيظه، وقال له في لهجة هادئة: "عبدالرحمن": يا أخي ما هذا الذي تسمعه، ألم تعلم أن الله حرَّم ما تسمعه؟ "مخالف": وما الحرام في ذلك؟ إنَّها الموسيقى؛ غذاء الرُّوح. "عبدالرحمن": لكن رسول الله حرَّم تلك الأغاني والمعازف، والأحاديث ثابتةٌ صحيحة في "صحيح البخاريِّ" وغيره. "مخالف": أنا لا أعترف لا ببخاري ولا بغيره؛ فالبخاري بشَرٌ مثلي، ولا يزيد عنِّي شيئًا، ويجب أن نُمرِّر الكلام على عقولنا أوَّلاً؛ فنقبله، أو نرفضه. "عبدالرحمن": لكن عقولنا تختلف، ولو أعمل كلٌّ منا عقله في صحيح وثوابت الشَّرع، لضَللنا، ولو شكَّكنا في علمائنا ومحدِّثينا لضَاعت السُّنة. "مخالف": لقد مللتُ منك وضقت بك ذرعًا، فدعني وشأني، وأغلق عليك كوخك، وسُدَّ أذنيك إن كنت لا تريد السَّماع. "عبدالرحمن": لكنك كنت تشكو من صوت أذاني، وادَّعيت أنَّه يؤذيك. "مخالف": نعم، فصَوتك سيِّئ، لكنِّي أُسْمِعك صوتًا شجيًّا ماتعًا، يهذِّب نفسك، ويَرْقى بذوقك يا جاهلاً بالفن! سكتَ "عبدالرحمن"، وولَّى وهو يهزُّ رأسه أسفًا على ما يلاقيه من جاره المؤذي. وفي أحد الأيام، بينما "عبدالرحمن" يصطاد بعض السَّمك من البحر إذا به يجد زوجةَ "مخالف العلماوي" تأتي وهي تلبس لباس البحر، شبهَ عارية؛ لِتَسبح في البحر، ولا تُبالي بوجود رجل غريب يراها بهذه الصُّورة، فصرف "عبدالرحمن" بصره من وقته، وجمع أغراضه، ورجع إلى بيته وهو مستاءٌ مِمَّا رأى، فلمَّا دخل على زوجته، ووجدَتْ عليه الضيق سألته في صوت حنون: زوجته: ما لكَ يا "عبدالرحمن"؟ لقد خرجتَ بخير حال، فما بالك رجعت مستاءً؟ "عبدالرحمن": لقد رأيت شيئًا ساءني... وقصَّ عليها ما رأى. زوجته: لا تضايق نفسك؛ فسوف أنصحها؛ لعلَّها لا تفعل ذلك بعد الآن. ذهبت زوجة "عبدالرحمن" إلى زوجة مخالف، فقالت لها في لهجة ليِّنة: زوجة "عبدالرحمن": يا أختاه، إنِّي أريد أن أكلمك في شيء، ولا تغضبي منِّي. زوجة "مخالف": تكلَّمي، ماذا تريدين؟ زوجة "عبدالرحمن": يا أختاه نحن نعيش سويًّا في هذا المكان، فلا بدَّ لكلٍّ منا أن يُراعي شعور الآخر؛ فنحن شركاء في هذا المكان، ولا يجب أن تؤذي زوجي بجسدك المكشوف هذا، فهذا لا يصحُّ وقد حرَّمه الله. زوجة "مخالف": وما شأنُكِ؟ وما شأن زوجك؟ أنا أفعل ما أريد، فهذه حريتي الشخصيَّة، أم تريدينني أن أكون متشدِّدة مثلك وألبس هذا الحجاب؟ هذا لن يكون أبدًا. زوجة "عبدالرحمن": وما له الحجاب يا أختاه؟ إنه صيانةٌ للمرأة من أعين الرجال، وهو أمر ربِّنا، وفَرْض علينا. زوجة "مخالف": بل هو تخلُّف ورجعيَّة، والعالَم المتقدِّم الآن يجعل المرأة حرة طليقة، لا يقيِّدها شيء، ولا يحجب جمالَها هذا النسيجُ البغيض، بل المرأة من غيره كالوردة المتفتِّحة، لا يحجب جمالَها شيء. زوجة "عبدالرحمن": كيف ذلك؟! لقد شرَع الله لنا الحجاب؛ صونًا لنا من كل عينٍ لا تتَّقي الله؛ لتكون المرأة جوهرةً مصونة، ودُرَّة مكنونة، لا يراها أيُّ أحد إلا زوجها، فتكون له وحده. زوجة "مخالف": ولماذا لا تخلعين أنت هذا الشيء الذي على رأسك لِتُظهري جمالك لكلِّ الناس؟ زوجة "عبدالرحمن": حاش لله أن أعصي ربِّي، أو أن يراني غير زوجي. زوجة "مخالف": أتعلمين؛ لقد صدَّعتِ رأسي، فدعيني وشأني، أنا حرة فيما أفعل. وبعد هذا بعدَّة أيام، جاء "مخالفٌ" إلى "عبدالرحمن"، فقال له: "مخالف": إن هذا الكوخ الذي تتعبَّد فيه يشوِّه شكل المكان، ويؤذي بصري، ولا مكان له بجوار بيتي الجميل هذا، فأنا أريدك أن تزيله من هنا. "عبدالرحمن": وأين أتعبَّد وأين أقرأ القرآن إذا أزَلْتَه؟ "مخالف": لا شأن لي، فتعبَّدْ حيث شئتَ في غير هذا المكان. "عبدالرحمن": لكنَّك كنت دائمًا تكلِّمني عن الدِّيموقراطية وحقوق المُواطَنة، وحقوق الإنسان، وتقبُّل الآخر، فما بالك لا تعمل بما تقول؟! "مخالف": أنا هنا الأكثر تحضُّرًا وثقافة، فأنا من المثقَّفين ومن النُّخبة، ورأيي حتمًا أصوب من رأيك. "عبدالرحمن": لكننا شُرَكاء في هذا المكان، فكيف تريد أن تُمضي رغبتك، متجاهلاً رغبة شركائك في هذه الجزيرة؟ والدِّين يحرِّم ذلك. "مخالف": لا تحدثني بالدين؛ فالدين والشَّرع داخل كوخك، ولا شأن له بما بيننا من تعاملات، فيجب أن نفصل الدِّين عن حياتنا. "عبدالرحمن": ولكن كيف تنضبط حياتنا بدون شرع، والله قد أنزله لنا لينظِّم حياتنا؟! "مخالف": لا تعارضني؛ فهذه رغبتي. "عبدالرحمن": وأين رغبتي أنا؟ أليس لي حقٌّ مثلك؟ ألست مواطنًا مثلك في هذه الجزيرة؟ "مخالف": ولكن رغبتي أنا بألفِ رغبة من أمثالك! مرَّت الأيام ولم يُزِل "عبدالرحمن" الكوخ، وظل يتعبَّد فيه ويقرأ القرآن، فإذا بـ"مخالف" يملؤه الغيظ، ويأتي بِمعول ليهدم الكوخ على رأس مَن فيه، فإذا بـ"عبدالرحمن" يراه قادمًا، فقال له: - ماذا ستفعل؟ "مخالف": لقد أنذرتك من قبل ولم تنفِّذ ما أقول، فسوف أهدمه بنفسي. "عبدالرحمن" والشرر ينطلق من عينيه: إيَّاك أن تفعل فسوف تَلْقى ما لا تَحْمده. "مخالف": أرني ماذا ستفعل. ولما رفع المعول لم يجد "عبدُالرحمن" بُدًّا من أن يردعه عمَّا يريد، فتحول إلى شكله الجنِّي المخيف، وصاح صيحة اهتزَّت لها الأرض، فوقع المعول من يد "مخالف"، وارتاع، ووقع على الأرض، ولم يصدِّق عينيه، فقال له المارد "عبدالرحمن": - لقد صبرتُ عليك كثيرًا وعلى أذاك، ولا بد أن تعرف قَدْري وقدرك، آذيتني في كلِّ شيء، ولم تُراعِ لي جوارًا، ولم تَصُن لي حقًّا، لكني أصبر على كل أذًى، ولا أصبر على أن تؤذيني في ديني، ظللتَ تستفزُّني، وتزيد يومًا بعد يوم، وأنا لا أريد أن أخيفك أو أفزعك، وظننتَ نفسك متحكِّمًا في إرادتي، لكن استفزازك جنَى عليك، وأخرجتَ بغبائك المارد الذي ظلَّ صابرًا على أفعالك. لكن مِن الآن فاعلم أنَّني لن أسكت إذا أردتَ أن تطغى على حقِّي في جزيرتنا، ولن أدعَك تمسُّ ديني بسوء؛ فديني أغلى عليَّ من نفسي، وسيظلُّ الأذان يتردَّد في هذه الجزيرة ما دمتُ حيًّا، لن يخفت صوتي، وسأصدح دائمًا بقراءة قرآن ربِّي، وسيظلُّ دين الله يرفرف على هذه الجزيرة، إلى أبَدِ الآبدين.